خطة ترامب للسيطرة على جزيرة خرج منذ 38 عاما.. ما القصة؟

لم تكن الغارات الجوية التي شنها الجيش الأميركي يوم الجمعة الماضي على جزيرة “خَرْج” الإيرانية مجرد عملية عسكرية عابرة ضمن سياق الحرب المندلعة منذ أسبوعين، بل جاءت كتنفيذ حرفي ومتأخر لرؤية استراتيجية صاغها دونالد ترامب قبل نحو ثمانية وثلاثين عاماً. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أعمدة الدخان من المنشآت الحيوية في الجزيرة، استدعت الأرشيفات الصحفية العالمية تصريحات تاريخية لترامب تعود لعام 1988، كشفت بوضوح أن استهداف هذا الشريان النفطي لم يكن وليد اللحظة، بل كان عقيدة سياسية تبناها الرئيس الأميركي منذ أن كان رجل أعمال صاعداً يطمح لدخول البيت الأبيض، منتقداً آنذاك ما وصفه بـ”التراخي والضعف” في التعامل مع التهديدات الإيرانية.

نبوءة الثمانينيات تتحول إلى واقع ميداني

تداول محللون وناشطون على نطاق واسع فقرات من مقابلة شهيرة أجرتها صحيفة “غارديان” البريطانية مع ترامب في أواخر الثمانينيات، سلطت الضوء على ملامح نهجه الصارم تجاه القضايا الدولية. في تلك المقابلة، لم يتردد ترامب في التعبير عن استيائه من الصورة الذهنية للولايات المتحدة في مواجهة طهران، مؤكداً أن إيران “تهزمنا نفسياً وتجعلنا نبدو كمجموعة من الحمقى”. وفي تلك اللحظة التاريخية، حدد ترامب جزيرة “خَرْج” بالاسم كهدف عسكري واستراتيجي أول، متوعداً بأنه في حال استهداف أي جندي أو سفينة أميركية، فإنه سيقوم بعمل عسكري مباشر للسيطرة على الجزيرة وتدمير نفوذ طهران فيها، معتبراً أن “مواجهة إيران ستكون أمراً جيداً للعالم”، وهي الكلمات التي ترددت صداها بقوة بعد عقود مع اندلاع المواجهة المباشرة في فبراير الجاري.

وعلى الصعيد الميداني، ترجمت القوات الأميركية هذا الوعيد القديم إلى واقع ملموس يوم الجمعة، حين أعلن ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي عن تدمير “كافة الأهداف العسكرية” في جزيرة “خَرْج” بشكل كامل. وتكتسب هذه الجزيرة أهمية جيوسياسية فائقة، كونها تمثل المركز الرئيسي لتصدير نحو 90% من النفط الخام الإيراني، مما يجعل استهدافها ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني وقدرته على تمويل المجهود الحربي. ولم يكتفِ ترامب بالتدمير العسكري، بل رفع سقف التهديد بالانتقال إلى استهداف البنية التحتية النفطية والمنشآت اللوجستية، في حال استمرت طهران في محاولات عرقلة حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من التصعيد والردود المتبادلة.

اهتزاز أسواق الطاقة وترقب الرد

تأتي هذه التطورات العسكرية في وقت حساس جداً لسوق الطاقة العالمي، حيث تراقب مراكز التحليل والبيانات، مثل “تانكر تراكر دوت كوم” و”كبلر”، أي مؤشر على تضرر شبكة الأنابيب المعقدة والموانئ والخزانات في الجزيرة. وتشير البيانات الإحصائية إلى أن إيران كانت قد رفعت معدلات إنتاجها النفطي في الفترة التي سبقت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، حيث استقرت صادراتها بين 1.1 و1.5 مليون برميل يومياً. ومع وقوع الهجمات الجوية، دخلت الأسواق العالمية في حالة من الترقب المشوب بالحذر، خشية أن يؤدي خروج “خَرْج” عن الخدمة إلى أزمة إمدادات عالمية، خاصة مع تزايد الاحتمالات بأن ترد طهران بعمليات انتقامية قد تستهدف خطوط الملاحة أو مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة.

إن المشهد الحالي في جزيرة “خَرْج” لا يختصر فقط صراع القوى في الشرق الأوسط، بل يعيد تسليط الضوء على شخصية دونالد ترامب الذي يبدو أنه قرر تصفية حسابات استراتيجية قديمة وضع خطوطها العريضة قبل أربعة عقود تقريباً. فبين لغة الأرقام التي تتحدث عن ملايين البراميل، ولغة الصواريخ التي استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية، تبرز جزيرة “خَرْج” كأكبر شاهد على تحول التنظير السياسي إلى فعل عسكري مدمر، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مفادها أن الاستراتيجيات الأميركية الحالية هي امتداد لرؤية صلبة لم تتغير بمرور السنوات، بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة للظهور على مسرح العمليات.

إرسال التعليق