المرشد الثالث لإيران.. من هو مجتبى خامنئي؟
بعد أيام من اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي في ضربة أمريكية استهدفت مقره، أعلن مجلس خبراء القيادة الإيراني بأغلبية ساحقة ، تعيين آية الله مجتبى خامنئي قائدا للبلاد ومرشدها الأعلى، خلفا لأبيه الراحل علي خامنئي.
ويأتي اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا ثالثًا للثورة الإيرانية بعد سنوات قضاها في الظل لاعبا مؤثرا داخل دوائر السلطة في إيران، صعد مجتبى خامنئي رسميا إلى قمة هرم الحكم، ويضع هذا الانتقال غير المسبوق للسلطة “المرشد الثالث” في قلب مرحلة شديدة الحساسية سياسيا وأمنيا، وسط ترقب لشكل النظام في عهده وحدود النفوذ الذي راكمه خلال سنوات عمله خلف الكواليس.
من هو مجتبى خامنئي؟
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، وهو الابن الثاني للمرشد الإيراني علي خامنئي. وقد نشأ في أجواء سياسية مضطربة تزامنت مع نشاط والده المعارض لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وخلال تلك الفترة كان علي خامنئي من رجال الدين البارزين في مشهد، وشارك في الأنشطة المناهضة للحكم الملكي، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله ونفيه عدة مرات من قبل جهاز الأمن المعروف باسم “السافاك”، وهو جهاز الاستخبارات في عهد الشاه.
وبعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وانتقال السلطة إلى النظام الجديد، انتقلت عائلة خامنئي إلى العاصمة طهران. وهناك واصل مجتبى تعليمه في مدرسة “علوي”، وهي من المدارس المعروفة التي درس فيها عدد من أبناء النخب السياسية والدينية في إيران. وقد أنهى دراسته فيها عام 1987.
وخلال سنوات الحرب بين إيران والعراق، شارك لفترة في كتيبة “حبيب”، وهي إحدى التشكيلات التي ضمت متطوعين شاركوا في القتال خلال تلك الحرب. وفي تلك المرحلة أقام علاقات مع شخصيات أصبحت لاحقاً من القيادات الأمنية البارزة في البلاد، من بينهم حسين طائب وحسين نجات اللذان شغلا مناصب مهمة في الحرس الثوري الإيراني.
وفي عام 1989، وبعد انتخاب علي خامنئي مرشداً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعزز حضور العائلة داخل هرم السلطة. وخلال السنوات اللاحقة اتجه مجتبى إلى دراسة العلوم الدينية، حيث بدأ دراسته في طهران قبل أن ينتقل إلى مدينة قم، التي تعد المركز الأبرز للدراسات الدينية في إيران. وقد تلقى دروسه على يد عدد من رجال الدين المعروفين، من بينهم محمد تقي مصباح يزدي ولطف الله صافي جلبايجاني.
نفوذ خلف الكواليس
على مدى السنوات التالية تحدثت تقارير سياسية وإعلامية عن دور مؤثر لمجتبى خامنئي داخل مكتب المرشد الأعلى، حيث يُنظر إليه في بعض التحليلات على أنه من الشخصيات ذات النفوذ داخل بنية السلطة الإيرانية. وقد أشارت برقيات دبلوماسية أمريكية كُشف عنها لاحقاً عبر موقع “ويكيليكس”إلى أنه يمثل ما وصفته بـ”القوة الكامنة خلف العباءة الدينية”.
كما اعتبر بعض السياسيين والمراقبين أنه كان له تأثير في مسار الانتخابات الرئاسية الإيرانية عامي 2005 و2009، وهي الانتخابات التي شهدت تنافساً سياسياً واسعاً داخل البلاد.
ورغم هذه التقديرات، يحرص مجتبى خامنئي على الابتعاد عن الظهور الإعلامي، إذ نادراً ما يجري مقابلات صحفية أو يشارك في فعاليات سياسية علنية، ويقتصر ظهوره غالباً على مناسبات دينية أو فعاليات رسمية محدودة. وقد ساهم هذا الغياب النسبي عن الأضواء في ترسيخ صورته كشخصية تعمل بعيداً عن الواجهة السياسية.
وفي عام 2019 أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسمه ضمن قائمة العقوبات، مشيرة إلى أنه يؤدي دوراً مهماً في بعض الملفات المرتبطة بمكتب المرشد، رغم عدم شغله منصباً حكومياً رسمياً. وذكرت الوزارة أن علي خامنئي أوكل إلى نجله بعض المسؤوليات، وأنه عمل عن قرب مع جهات أمنية وعسكرية، من بينها “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري وقوات «الباسيج».
خبرة قيادية
وتعليقا على اختيار المرشد الإيراني الجديد، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني، الأحد، إن مجلس خبراء القيادة اختار مرشدًا أعلى جديدًا للبلاد رغم التهديدات التي طالت اجتماع المجلس، مؤكدًا أن مجتبى خامنئي يمتلك القدرة على قيادة إيران في المرحلة الراهنة التي وصفها بالحساسة.
ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن لاريجاني قوله، في مقابلة هاتفية مع قناة إيرانية، إن مجلس خبراء القيادة عقد جلسته في ظروف استثنائية تزامنت مع الحرب والضغوط الخارجية، مشيرًا إلى أن المجلس تمكن من الاجتماع واتخاذ قراره رغم التهديدات المتكررة باستهدافه.
وأضاف لاريجاني أن المجلس تعامل مع مسألة اختيار المرشد الجديد وفقًا لما ينص عليه الدستور الإيراني، موضحًا أنه جرى بحث عدة أسماء مرشحة قبل أن يتم في نهاية المطاف اختيار مجتبى خامنئي لتولي منصب القيادة، وذلك من خلال الإجراءات القانونية المعتمدة داخل المجلس.
وأشار إلى أن بعض الأطراف كانت تراهن على دخول إيران في حالة من الاضطراب بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، إلا أن مجلس خبراء القيادة تمكن من حسم الملف بسرعة، مؤكداً أن الخطوة جاءت ردًا على ما وصفه بحملات التشكيك والضغوط التي رافقت المرحلة الانتقالية.
وأوضح لاريجاني أن مجتبى خامنئي نشأ في بيئة سياسية ودينية مرتبطة بمسار الثورة الإيرانية، لافتًا إلى أنه شارك في مراحل مختلفة من الحياة العامة بعد الثورة، واكتسب خبرة سياسية ودينية بحكم قربه من دوائر القيادة.
وأضاف أن المرشد الجديد نشأ في كنف والده الذي لعب دورًا بارزًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، معتبراً أن هذه التجربة قد تسهم في تمكينه من إدارة شؤون البلاد في ظل الظروف الحالية التي تمر بها إيران.
وأكد لاريجاني أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التماسك الداخلي، مشددًا على ضرورة أن تمثل القيادة الجديدة رمزًا للوحدة الوطنية في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية التي تواجهها البلاد.
وقال إن على مختلف القوى السياسية والاجتماعية في إيران تجاوز الخلافات السابقة والالتفاف حول القيادة الجديدة، خاصة في ظل ما وصفه بظروف الحرب والضغوط الخارجية، معتبراً أن التضامن الداخلي يمثل عاملًا حاسمًا في مواجهة التحديات الراهنة.
وأضاف أن القيادة الجديدة مطالبة بإدارة البلاد بحزم خلال هذه المرحلة، والعمل على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب التركيز على الملفات الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
وفي ختام تصريحاته أعرب لاريجاني عن أمله في أن تسهم المرحلة الجديدة من القيادة في تعزيز مسار التنمية داخل إيران، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين.ال



إرسال التعليق