إنجي بدوي تكتب: سامي مهنا.. دبلوماسي في قلب عاصفة سياسية
في السياسة، لا تسقط القرارات دائمًا من فراغ، ولا تُقرأ فقط باعتبارها إجراءات إدارية عادية، خلف كثير من القرارات الرسمية تختبئ حسابات نفوذ، وتوازنات داخلية، وصراعات غير معلنة تُدار بعيدًا عن العلن، وفي مثل هذه اللحظات، قد يتحول بعض الأفراد إلى ضحايا جانبيين لمعركة لم يختاروها، ولم يكونوا طرفًا فيها.
هذا المشهد يبدو حاضرًا في قصة السفير الفلسطيني السابق في ألبانيا، سامي مهنا، فالرجل الذي قضى سنوات من العمل داخل السلك الدبلوماسي الفلسطيني، متنقلًا بين مواقع مختلفة وبانيًا مسيرته المهنية بالتدرج والخبرة، وجد نفسه فجأة خارج منصبه بعد أشهر قليلة من تعيينه، بقرار إعفاء صدر دون تفسير رسمي واضح.
القرار في حد ذاته قد يبدو، للوهلة الأولى، شأنًا إداريًا طبيعيًا في عالم السياسة والدبلوماسية، حيث تتغير المواقع وتُعاد صياغة التوازنات لكن ما أحاط به من صمت رسمي، وما تردد عن عدم تسوية مستحقاته المالية حتى الآن، حول المسألة من مجرد إجراء إداري إلى قضية تطرح أسئلة قانونية وسياسية أوسع.
لكن ما زاد من تعقيد المشهد أن مهنا لم يواجه فقط قرار الإعفاء المفاجئ، بل وجد نفسه أيضًا في مواجهة حملة من الاتهامات التي حاولت اختزال مسيرته المهنية في رواية واحدة، مفادها أنه وصل إلى منصب السفير بوساطة من والده، وهي رواية تداولها البعض دون الالتفات إلى المسار المهني الذي قطعه داخل العمل الدبلوماسي، وإلى السنوات التي قضاها في مواقع مختلفة قبل وصوله إلى هذا المنصب.
فالرجل، بحسب سيرته المهنية، لم يهبط على السلك الدبلوماسي فجأة، بل مر بعدد من المراحل والخبرات التي شكلت طريقه إلى هذا الموقع، ومع ذلك، بدا أن هذه الخلفية المهنية لم تمنع تحويل اسمه إلى مادة للجدل، وكأن المسيرة المهنية بأكملها يمكن شطبها بسهولة لصالح رواية مختصرة تقوم على الشك والتشكيك.
خلال سنوات عمله في صربيا، تولى مهنا عدة ملفات داخل السفارة الفلسطينية، من بينها الملف الإعلامي، وملف الطلبة الفلسطينيين، إضافة إلى متابعة الشؤون السياسية.
كما شارك في برامج تدريبية متخصصة في العمل الدبلوماسي والعلاقات الدولية، من بينها دورات في وزارة الخارجية الصربية، وبرنامج تدريبي في مدينة ميلانو الإيطالية يهدف إلى تأهيل الطلبة للعمل داخل منظومة الأمم المتحدة.
هذه الخبرات، إلى جانب نجاحه في اجتياز امتحانات وزارة الخارجية الفلسطينية، ساعدته على التدرج داخل السلك الدبلوماسي.
وهنا تبرز المفارقة: فبين قرار إعفاء مفاجئ، وروايات تتحدث عن واسطة عائلية، يجد دبلوماسي نفسه أمام معركة دفاع عن مسيرته المهنية، لا عن منصب فقده فحسب.
لم يكن سامي مهنا من أولئك الذين دخلوا العمل الدبلوماسي من بوابة النفوذ أو العلاقات السياسية، بل بدأ مسيرته من موقع بسيط للغاية، بعد أن نجح في اختبارات الخارجية الفلسطينية، في عام 2006 وصل إلى العاصمة الصربية بلغراد للعمل في سفارة دولة فلسطين بدرجة سكرتير ثالث في وظيفة إدارية، لكن تلك البداية لم تمنعه من رسم مسار مختلف لنفسه.
فبالتوازي مع عمله في السفارة، التحق عام 2007 بكلية الأمن والدبلوماسية في بلغراد، وواصل دراسته حتى حصل عام 2012 على درجة الماجستير في الأمن والدبلوماسية.
ولم يكتف بذلك، بل عاد عام 2016 إلى مقاعد الدراسة مرة أخرى، فالتحق بجامعة بلغراد لدراسة الماجستير في الدراسات الأمنية متخصصًا في قضايا الجريمة المنظمة والإرهاب، وأنهى البرنامج عام 2019 بتقدير جيد جدًا.
وفي عام 2022 تولى مهام إدارة سفارة فلسطين في صربيا بصفة قائم بالأعمال خلال مرحلة انتقالية حساسة.
في تلك الفترة كانت السفارة تواجه أزمة مالية حادة نتيجة ديون متراكمة، حتى أن بعض الشركات المزودة للخدمات، بما فيها شركة الكهرباء، كانت قد هددت بقطع التيار عن مبنى السفارة.
عمل مهنا مع فريق السفارة على معالجة هذه الأزمة، وتمكنوا من تسوية العديد من الالتزامات المالية وإعادة تنظيم العمل الإداري داخل البعثة، وهو ما ساهم في استقرار عمل السفارة واستمرار خدماتها للجالية الفلسطينية.
لاحقًا تم تكليف سامي سفيرًا لدولة فلسطين في ألبانيا، عندما وصل إلى العاصمة تيرانا، كانت العلاقات الثنائية بين البلدين شبه خاملة على المستوى العملي، فلم تشهد السنوات السابقة توقيع اتفاقيات تعاون ملموسة، ولم تكن هناك برامج تبادل أكاديمي أو نشاطات ثقافية منتظمة.
بل إن آخر زيارة رفيعة المستوى بين الجانبين تعود إلى عام 1996، عندما زار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ألبانيا، لكن خلال أقل من خمسة أشهر فقط، حاول مهنا تغيير هذا الواقع واستطاع تقوية العلاقات الثنائية بين البلدين، من خلال الأنشطة المختلفة.
كما اتخذ خطوات لخفض النفقات داخل السفارة، حيث ألغى استئجار فيلا كبيرة كان يستخدمها السفير السابق بتكلفة تقارب 3000 يورو شهريًا، وانتقل إلى شقة أصغر، وهو ما أدى إلى خفض النفقات التشغيلية بنسبة تقارب 60٪.
رغم هذه النشاطات، جاء قرار إنهاء مهام سامي مهنا بشكل مفاجئ، لم يصدر بيان رسمي يوضح الأسباب المهنية لهذا القرار، كما أن الطريقة التي تم بها إنهاء مهامه أثارت الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية.
لكن الأمر لم يتوقف عند قرار الإعفاء فقط، فوفق ما يتم تداوله، توقفت مستحقاته المالية منذ شهر أغسطس وحتى نهاية مهامه في ديسمبر، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية واضحة.
لكن ما يجعل القضية أكثر حساسية هو السياق السياسي المحيط بها، فاسم عائلة مهنا ارتبط مؤخرًا بالجدل السياسي بعد القضية التي طالت نظمي مهنا المسؤول السابق عن ملف المعابر الفلسطينية.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يتحول الاسم العائلي إلى عامل يؤثر في المسار المهني للأبناء؟
في الأوساط السياسية الفلسطينية، يتحدث كثير من المراقبين عن إعادة ترتيب لموازين القوى داخل مؤسسات السلطة، وعن صراع صامت على النفوذ في ظل مرحلة سياسية حساسة تتعلق بمستقبل القيادة الفلسطينية.
قصة سامي مهنا قد تبدو للوهلة الأولى مجرد حادثة دبلوماسية عابرة، لكنها في الواقع تعكس جانبًا أعمق من طبيعة إدارة المؤسسات داخل النظام السياسي الفلسطيني، فالمؤسسات التي تسعى إلى ترسيخ الثقة والشفافية لا يمكن أن تسمح بأن تتحول القرارات الوظيفية إلى أدوات ضغط، ولا أن تبقى الحقوق المالية معلقة دون تسوية واضحة؛ في النهاية، قد يكون سامي مهنا مجرد اسم في قصة أكبر من شخص واحد.
لكن قصته تعيد طرح سؤال قديم يتكرر في السياسة الفلسطينية:هل يمكن أن يتحول المسؤول إلى ضحية؟
وعندما تختلط السياسة بالحسابات الشخصية، يصبح من الصعب التمييز بين القرار الإداري المشروع وبين تصفية الحسابات داخل مؤسسات يفترض أن تحكمها القوانين، وهنا قد يجد دبلوماسي خدم بلاده لسنوات طويلة نفسه فجأة خارج المشهد، لا بسبب ما فعل، بل بسبب ما يمثله اسمه في معادلات السياسة.

إرسال التعليق